اسماعيل بن محمد القونوي

536

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أو استئناف منبه لهم ) مسوق من جهته تعالى غير معمول بما قبله كلمه أو عطف على مقدر وهو أن ما بصاحبكم معمول لما قبله أو لما دل عليه أو استئناف يحسن الوقف على قوله ثم تتفكروا حينئذ دون الأول قوله منبه الخ بيان ارتباطه بما قبله وفي الأول ارتباطه واضح وكونه منبها على ما ذكر منطوق الكلام ولذا لم يتعرض له . قوله : ( على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجح صدقه فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير تحقق ووثوق ببرهان فيفتضح على رؤوس الأشهاد ويلقي نفسه إلى الاهلاك فكيف وقد انضم إليه معجزات كثيرة ) من رجاحة عقله أي كمال عقله فإنه أي العقل الكامل والأمر الخطير النبوة وخطب عظيم تفسير له قوله فيفتضح بالنصب جواب النفي أي أو معطوف على قوله أن يتصدى أي لا يدعه قوله ويلقي نفسه عطف عليه . قوله : ( وقيل ما استفهامية والمعنى ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون ) وقيل ما استفهامية أشار إلى أن كون ما نافية أولى لأنه صريح في النفي دون الاستفهام فإنه وإن أفاد النفي لكونه إنكارا للوقوع لكنه تطويل بلا طائل ولذا مرضه . قوله : ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ [ سبأ : 46 ] ) القصر الإضافي أي لا جنون له أصلا بل إن هو إلا نذير . قوله : ( قدامه لأنه مبعوث في نسم الساعة ) قدامه أي بين يدي كناية عن قدامه يعني قوله : فإنه لا يدعه أي فإن ما عرفوه من رجاحة عقله لا يدعه أن يدعي أمرا خطيرا لأن كمال العقل يمنع صاحبه أن يتعرض لعظام الأمور من غير تحقق ووثوق ببرهان لأنه يعلم بتأمله الصادق أن من ادعى أمرا عظيما من غير تحققه ببرهان ربما يفتضح في آخره عند العجز عن إثباته وتصور الافتضاح في العاقبة يردعه عن التصدي له فإذا تصدى عاقل لادعاء أمر يعلم أنه أوثق لإثباته وإن ذلك الأمر محقق فلا ينبغي أن ينكر ما تدعيه العاقل فكيف إذا قرنه الخوارق والمعجزات وفي الكشاف وأراهم بقوله : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [ سبأ : 46 ] أن هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا لا يتصدى لادعاء مثله إلا رجلان إما مجنون لا يبالي فافتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز لا يدري ما الافتضاح وما رقبة العواقب وأما عاقل راجح العقل مرشح للنبوة مختار من أهل الدنيا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجة وبرهان وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه وقد علمتم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما به من جنة بل علمتموهم أرجح قريش عقلا وأرزنهم حلما وأثقبهم ذهنا وآصلهم رأيا وأصدقهم قولا وأنزههم نفسا وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به فكان مظنة لأن تظنوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على جانب الكذب وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين . قوله : قدامه لأنه مبعوث في نسم الساعة كما قال عليه الصلاة والسّلام بعثت في نسم الساعة وفي النهاية قيل هو جمع نسمة أي بعثت في ذوي أرواح خلقهم اللّه قبيل الساعة كأنه قال في آخر النشور من بني آدم وقال الجوهري نسم الريح أولها حين تقبل بلين قبل أن يشتد ومنه الحديث بعثت في نسم الساعة أي حين ابتدأت وأقبلت أوائلها .